لما فتحت قائمة الأسماء على تليفون أبي علشان أتصل وأبلغ أصدقاءه بوفاته رحمه الله.. تفاجأت انه مسجل أمي باسم مختلف عن المعتاد لينا ..!
أنا وإخوتي عارفين من زمان ان أبي مسجل أمي على تليفونه "نور العيون" زي ما كان بيناديها لما يحب يدلعها :)
لكن لقيته غيّر الاسم ده ومسجلها... "الأصيلة".
أبي وهو في العناية المركزة وقبل وفاته بأيام.. قالي: الست دي يا إبراهيم أصيلة وشالتني كتير ومش هوصيك عليها!
أمي على مدار ٣٥ سنة زواج من أبي كانت فعلا زي ما هو وصفها!
عمري ما شوفتها بتضغط أبي في أي مصاريف.. تزوجوا في سِعة وبعدها بسنوات قليلة مروا بفترات صعبة بعد ضياع فلوس أبي في الريان والبدء تاني من الصفر فكانت تدبر أمور البيت ولو من القليل.
٣٥ سنة.. أمي عمرها ما خرجت من بيت أبي غضبانة رغم ان البيوت ياما بيحصل فيها.. ولو في بينهم أي مشكلة حتى لو وصلت ليومين زعل.. عمرها ما فكرت تروح تفك عن نفسها في بيت أهلها بل تفضل في البيت حتى لو زعلانة.. مع اعتبار نقطتين مهمين.. أولا ان أمي كانت بتشتغل وليها مرتبها.. ثانيا: ان بيت جدي فيه شقة فاضية وخالي العزيز وزوجته الطيبة مضرب المثل في الكرم والإحسان لحد النهاردة وبيشيلونا جوة عينيهم في أي زيارة قصيرة أو طويلة.. لكنها كانت عارفة ان المشكلة الصغيرة اللي تخرج من البيت بتتحول لكارثة تهدد استقرار البيت.
وكان أبي رحمه الله يحفظ لها هذا الخلق.. كان دايما يقولي: أمك عمرها ما حكت برة باب البيت ده أي مشكلة بيننا!
اليوم عند أمي كان بيبدأ قبل الفجر.. تقوم تجهز متطلبات الغدا علشان لما هترجع من الشغل مش هيكون في وقت وتقعد تعمل السندوتشات لينا كلنا للمدرسة وتصحينا لصلاة الفجر (والفقرة دي لوحدها كانت مجهود كبير والله) وبعدين تعملنا حاجة نشربها جنب الكيكة اللي كانت على طول موجودة في البيت من عمايل إيديها أو طبق بليلة باللبن في الشتاء وننزل كلنا وبعدين ترجع هي بعد شغلها تكمل تجهيز الغدا وترتيب الشقة قبل الساعة ٤:٣٠ حيث الموعد المقدس للبيت كله وهو موعد رجوع أبي من عمله.
جدتي لأبي رحمها الله.. ما كانتش بتستريح مع حد زي راحتها مع أمي.. وكانت لا تسمح لأحد بالمبيت معها بالمستشفى إلا أمي.. وكانت راضية عنها كل الرضا وبتدعيلها.. وفعلا ساعة وفاتها ما كانش معاها غير أمي هي اللي جنبها وكان من وصيتها رحمها الله ان أمي تقف على غسلها وتكفينها.
أمي وهي مسافرة للحج من سبع سنين.. أبي بكى في المطار وهو بيودعها وده كان وقتها غريب على شخصية أبي، ورجع البيت منتظرها شهر كامل عايش معانا زي "اليتيم" بتعبيره هو رحمه الله.. رغم اننا كنا معاه طول الفترة دي إلا انه كان مفتقد روحه بافتقاد أمي وكلنا والله كنا حاسين ان البيت مش بيت من غيرها وكأننا عاملين pause للحياة كلها لحد ما ترجع.
أبي لما كان بيتعب ولو بدور برد.. كنت بحسه مطمن وكأنه بيقول لنفسه يا عم اتعب وخد راحتك.. مراتك هتشيلك جوة عينيها.
وفي مرضه الأخير رحمه الله.. وهو في البيت أمي كانت بتعمل مجهود خرافي لا يطيقه إلا بنات الأصول، ولما دخل المستشفى كانت مرافقة معاه، ولما دخل العناية المركزة واتمنع تواجد مرافقين كان وقت الزيارة المسموح ساعة واحدة.. لكن أمي كانت بتروح من الصبح وتقعد لبعد المغرب على باب العناية علشان تستغل أي فرصة تدخل تشوفه وتأكله بإيديها وتطمن عليه وتقوله أنا جنبك هنا.
أمس انقضت عدة أمي الحبيبة.. أربعة أشهر وعشر.. وفي الصورة أول خروج لها من البيت بعد فترة العدة.. زيارة أبي الحبيب في قبره..
ولا عجب!
صدق أبي حين أدرك أن "الأصيلة" أغلى من "نور العيون"!
جزاها الله عنا خيرا وبارك في عمرها وعافيتها ووفقنا لبرها
وجمعنا بها وأبي في مستقر رحمته في دار نعيم لا فراق فيها
#الأصيلة
الصورة من تصوير أخي عبد الرحمن